واحد وعشرون… وذات الزي

تحزم من كل حياتك حقيبتين. تقف في الصف، لتبتسم الموظفة ذات الزي ابتسامة صفراء باردة، تخبرك أن حقيبتك قد تخطت الوزن المسوح به. كيف تتوقع منك هذه أن تلملم حياتك في حقيبتين لا تزيد كل منهما عن (21) كيلوغراماً؟؟؟ 

 

تضع حقيبة اليد الحمراء مكانها…تجلس… تمر جميلة في زي يعاني من تناقض شخصية وألوان، تغلق كل ما هو مفتوح فوقك… تبدأ التحرك ببطء مزعج يتضارب بقوة مع كل القلق الذي يقفز في داخلك… تتحرك… يعود كل ما تراه إلى الخلف… يعود أسرع… تتحرك… تزايد كبير في التسارع… لحظة عنيفة تدفع جذعك لتلتصق بالمقعد، مانعة إياك من ممارسة فضول التلصلص من النوافذ… كل الأشياء تركض إلى الخلف، إلا أنت… تظهر أمامك أجزاء حياتك مشتتة، تتذكر بشكل فوضوي كل الأحداث الجديرة بالذكر… غصة في الحلق، سواء يسعدك الإرتفاع أو يحزنك… تزايد في السرعة… قوة تسمرك في مكانك لتتبع القوانين مكرها… السرعة القصوى……تشعر بها… إندفاع هائل… قفزة قوية… وإرتفاع… أعلى… أقوى… أسرع… وأعلى… بشكل يقلق الضغط على صدرك… لا زلت ملتصقاً إلى الخلف… والسرعة تزداد والإرتفاع بدأ يسيطر على حفلتك الصغيرة… وتعلو… تحلق… لا كطائر… بل كبشرٍ معلبٍ طائر… تنظر بحذر من الزجاج الكثيف بجانبك، كل الأشياء تصغر… تودع الألوان، فمن الأعلى لا تظهر سوى الألوان، ولا نحتاج أكثر من الالوان… تجلس إلى الخلف وتطوف مغادراً العلبة الطائرة، فاقداً الشعور بما لا يهم بجانبك (كاكتشافك أن المسافرإلى جوارك من المخابرات). أجمل شعور هو الإقلاع… فأنت على أفعوانية في طريقها إلى الأعلى يثبتك الهواء، ولا تترقب النزول.

 

الرحيل كموت حجز موعداً مسبقاً معك، كموت تعرف موعد تفتيشه لثنايا جسدك. قبل الرحيل تودع الجميع، تقول كل ما تريد قوله، تودع كل من يهمك أمره، وتنزعج لعدم مبالاة البعض مدركا فتورهم نحوك. تودع الأشجار التي جلست تحتها، والمساحة التي تكرهها صباحا وتقدسها مساءً. تودع المشاهد والطرق الجانبية، وتودع تلك الناحية من القمر. وهم، من يهمهم أمرك، يأتون، يقولون لك كل ما يريدون قوله وما أرادوا قوله منذ الشمس، فأنت مغادر، واليوم لا مكان للتأجيل. غريب هو منطق الرحيل، فغالباً ما تسمع أهم المقاطع قبل أن تحمل حقيبتك إلى السيارة، عندما لا يكون هناك ما يمكن فعله. فتكتفي باحتضانهم، وبقبلة تبني عليها حلماً (كما في أغنية لويس ارمسترونغ) لا تدري مدى وجود مساحة له بين زقاق البيوت القديمة……. وتنطلق السيارة.

 

وجوه مسرعة غير مبتسمة وقلقة… هو معظم ما تراه في صفوف المطارات… إلا الأطفال، فهم لا يأبهون بتعقيداتنا المنمقة بكلمات مصصممة كي لا يفهمها أحد…يلعبون ضاربين قوانين السفر كراتاً، هم فقط يرونها، بكل حائط… ينزلقون من تحت الأحزمة التي ترتبنا في صفوف، يجلسون على الأرض بلا مبالاه، يضحكون بدون خجلنا، ويبكون بفخر… هذه “الأشياء الصغير” التي تتحرك بيننا هي ما تبقى من الحياة، هي نحن عندما كنا على قيد الحياة، ثم…… كبرنا.  

 

لو أردت أن أضع ما أريد فقط في حقائبي، ما يهمني ، لأخذت لا شيء. لا أريد الاشياء… لا كتباً، ولا ملابس داخلية، ولا هاتفاً، ولا حاسوبي، ولا أوراقي الثبوتية، ولا نقود… أنت فقط. وأنت لن تأتي. أما ما أحتاج إليه فهو قضية أخرى مملة أفضل أن أجنبك اياها، سأضهعا في حقيبتي الـ (21) كيلوغراما، وأحرص أن أتقيد بالوزن كي أتجنب فضح حياتي على أرضية باردة في مطار، إقترحت علي فيه ذات الزي الأخرى أن أعيد ترتيب حقيبتيَ لأجعل إحداهما فقط خارجة عن القانون.

 

إلا أنني، يا ذات الزي، أستطيع ان أحمل كل الذاكرة التي أريد، فالذاكرة لا تسري عليها قوانينكم. أستطيع أن آخذ ثقل عمري كله ذاكرة… لا دخل لأي ذبابة أو وزير مهم بي. لو يعرفون كل الذي نأخذه معنا في قلوبنا وروحنا وشهيقنا، لأخرجوا منا الهواء وأرسلونا قطعاً مجمدة إلى الجهة الاخرى من العالم… أو من الحياة.

 

باردة هي المطارات… محطات مشحونة بتوتر الجهات والإختلاف… بقبلات وداع وأحضان إستقبال وفتور لا مبالاه… بارد هو الرحيل… ويبقى فينا إحتراق على كاز من أمل أن يكون المطار عند انتهاء القفزة دافئاً بعض الشيء.  

 

 

 

~ هذر ~

 

Leave a Reply